سيد محمد طنطاوي

160

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

والمراد بالمشارق والمغارب كما جاء في سورة المعارج : مشرق ومغرب كل يوم للشمس والكواكب . ثم أمر اللَّه - تعالى - رسوله صلى اللَّه عليه وسلم بعد ذلك بالصبر الجميل ، على أذى قومه فقال : * ( واصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ واهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلًا . . . ) * . أي : اجعل يا محمد اعتمادك وتوكلك على وحدي ، واصبر على ما يقوله أعداؤك في حقك من أكاذيب وخرافات . . . واهجرهم هجرا جميلا ، أي : واعتزلهم وابتعد عنهم ، وقاطعهم مقاطعة حسنة ، بحيث لا تقابل السيئة يمثلها ، ولا تزد على هجرهم : بأن تسبهم ، أو ترميهم بالقبيح من القول . . . قال الإمام الرازي ما ملخصه : والمعنى أنك لما اتخذتني وكيلا فاصبر على ما يقولون ، وفوض أمرهم إلى ، فإني لما كنت وكيلا لك أقوم بإصلاح أمرك ، أحسن من قيامك بإصلاح نفسك . واعلم أن مهمات العباد محصورة في أمرين : في كيفية معاملتهم مع اللَّه ، وقد ذكر - سبحانه - ذلك في الآيات السابقة ، وفي كيفية معاملتهم مع الخلق ، وقد جمع - سبحانه - كل ما يحتاج إليه في هذا الباب في هاتين الكلمتين ، وذلك لأن الإنسان إما أن يكون مخالطا للناس ، أو مجانبا لهم . فإن كان مخالطا لهم فعليه أن يصبر على إيذائهم . . . وإما أن يكون مجانبا لهم ، فعليه أن يهجرهم هجرا جميلا . . . بأن يجانبهم بقلبه وهواه ، ويخالفهم في أفعالهم ، مع المداراة والإغضاء . . . « 1 » . وقوله - سبحانه - : * ( وذَرْنِي والْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ ومَهِّلْهُمْ قَلِيلًا ) * أي : ودعني وشأنى مع هؤلاء المكذبين بالحق ، ولا تهتم أنت بأمرهم ، فأنا خالقهم ، وأنا القادر على كل شيء يتعلق بهم . وقوله : * ( أُولِي النَّعْمَةِ ) * وصف لهم جيء به على سبيل التوبيخ لهم ، والتهكم بهم ، حيث جحدوا نعم اللَّه ، وتوهموا أن هذه النعم من مال أو ولد ستنفعهم يوم القيامة . والنّعمة - بفتح النون مع التشديد - : تطلق على التنعم والترفه وغضارة العيش في الدنيا .

--> ( 1 ) راجع تفسير فخر الرازي ج 8 ص 240 .